بظل التغيرات التي تعصف بالخارطة السياسية العالمية، وبظل الموقف الروسي المتشدد، وبظل الرغبة الروسية بلعب دور قطبي في إدارة العالم، وبظل طموح الرئيس بوتين بتشكيل قوة اقتصادية سياسية في منطقة الاوراسيا، يبقى السؤال مفتوحا على كل الأطروحات… ولكن هل تنجح روسيا الاتحادية من استعمال ورقة “منظمة شنغهاي للتعاون” في مواجهاتها مع الولايات المتحد الأميركية، بعد تعذر نشر الدرع الصاروخية في أوروبا الوسطى وأحادية القرار التي تحاول الولايات المتحدة تكريسه دوليا منذ انهيار الاتحاد السوفيتي. بالطبع روسيا تحاول منذ استلام الرئيس بوتين للسلطة خلق أجواء منافسة لاستعادة دورها الإقليمي المفقود من خلال بنا تحالفات جديدة للموجهة مع المشروع الأميركي. لقد تمكنت روسيا من تأسيس “منظمة شنغهاي” عام 2001 بالتعاون مع كل من الصين وكازاخستان ثم طاجاكستان، وقرغيزستان فأوزبكستان، فأبقت أبواب المنظمة مفتوحة أمام دول أخرى للانضمام إليها “كالهند، باكستان، تركمانستان، وإيران. فالمؤتمر الأخير للمنظمة الذي عقد هذا العام في مدينة “طشقند عاصمة الدولة الأزبيكية”، تحت شعار “محاربة الإرهاب وتجارة المخدرات” لا يوحي بالمواجهة مع إدارة الرئيس أوباما والتي تضع هذا الشعار علي رأس قائمة مشاريعها السياسية والعسكرية والاقتصادية، ولكن في المقابل فإن هناك تساؤلات كثيرة حول المنظمة نفسها، ولاسيما وأن كل دولة مشاركة ترى في هذه المنظمة مصلحته الخاصة التي تتعارض مع مصالح دول أخرى مشاركة وتتقاطع مع البعض الأخر، لكن مما لا شكك فيه إن “منظمة شنغهاي” تشكل ثقلا دوليا على مختلف المستويات الاقتصادية والعسكرية والسياسية وغيرها في ظل وجود دولتان تمتلكان حق نقد “الفيتو” في مجلس الأمن “روسيا والصين” الأمر الذي دفع بعض الدول الصغيرة نسبيا للالتحاق بالمنظمة في محاولة لإيجاد دورا مستقبليا لها، ولحماية نفسها من التسلط والتفرد بالقرار الدولي من جهة الولايات المتحدة الأميركية، وقد ظهر جليا سعي هذه المنظمة وروسيا خصوصا لجعلها حلفا عسكريا نوويا، من خلال هذه المناورات العسكرية التي تزامنت مع انعقاد مؤتمر المنظمة المنعقد عام 2007 في بشكاك عاصمة قرغيزستان، والتي فاقت كلفتها أكثر من مائتي مليون دولار كان لروسي حصة الأسد من تغطية تلك الكلفة، لكنها في المقابل قدمت استعراضا لأسلحة جديدة متطورة سوف تعرض لاحقا للبيع، مما يعني أن روسيا حاولت توجيه رسالة دولية من خلال ذلك المؤتمر للأمريكي أولا وللأوروبي الذين يحاولون تكريس الوجود الأميركي في أوروبا الوسطى “تشيكيا، وبولندا، كرواتيا، وتركيا وجورجيا”، ما استوعبته إدارة أوباما من خلال تصرف روسيا الذي تمثل في الحرب الذي خاضتها ضد جورجيا حرب أوسيتا الشمالية التي كانت ضربة روسية للتواجد الأمريكي في حديقتها الخلفية ورسالة إلى أوروبا الجارة. مما دفع إدارة أوباما إلى إيجاد مساومة مع الدولة الروسية من خلال ثلاثة مشاكل :
- عدم مساعدة جورجيا في حربها ضد الروس؛
-إعادة النظر بنشر الصواريخ في شرق أوروبا؛
-عدم توسيع حلف الناتو في أوكرانيا وجورجيا؛
ولكن لا تزال هناك العديد من المواضيع العالقة مع أمريكا أبرزها مشكلة كوسوفو، ونوعية العقوبات على إيران والدفاع المميت عن سورية. لم يكن الخطاب الذي تبنه وزير الخارجية الروسي في مؤتمر المنظمة في طشقند القاضي بالانصياع الإيراني إلى الهيبة الدولية بسب تسوية الأمور الروسية – الأميركية التي تعني باللهجة العامية بأن الروس بدءوا يأخذون الثمن وليس بالكامل من الإدارة الأمريكية بعدما كانت إدارة بوش السابقة ضاربت عرض الحائط المصالح الروسية، والتي تفهمت الإدارة الجديدة هذه المشكلة، بعدم تخطي مصالح روسيا الوطنية والقومية والاقتصادية .
فإن خروج روسيا من معاهدة سباق التسلح لم يأت عفويا أو نتيجة لخلاف مع الأميركيين لا بل إنه جاء نتيجة لاستراتيجية سياسية اتبعها صقور الكريملين منذ وصول الرئيس بوتين إلى سدة الرئاسة وهو الذي باشر منذ توليه زمام الأمور بإعادة الهيبة إلى القوة العسكرية الروسية وخصوصا الصاروخية، لأن الرجل يدرك تماما أن الترسانة الصاروخية الروسية الضمانة الوحيدة لسلامة الدولة على أساس “إن صواريخنا بخير إذن نحن بخير” ويدرك بوتين أيضا أن هناك أساليب مواجهة أخرى لم يسقطها من حساباته لاسيما القوة الاقتصادية، فروسيا تمتلك قوة الطاقة والغاز والنفط، إضافة إلى موقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي يربط الشرق بالغرب، كما وأنها الدولة الأرثوذكسية الكبرى في العالم التي تحافظ على علاقتها الجيدة مع الشرق الإسلامي. وهنا يرى المراقبون أن روسيا تحاول خلط الأوراق الدولية مجددا في محاولة لمواجهة المشاريع الأميركية لكن ذلك قد يؤدي لاحقا إذا تفاقمت الأمور إلى حرب باردة جديدة تضع العالم كله أمام خيارات جديدة .
لذا فإن السيناريوهات السياسية الدولية سوف يكون لها دورا هاما في إنتاج طرق وأساليب للمواجهة القادمة… فهل تعدل أميركا خطتها للتعامل مع المصالح القومية الأخرى، في أوروبا الوسطى لتخفيف التوتر القائم مع إدارة الكر ملين أم الاستمرار في مشروعها لتكريس أحاديتها في العالم؟ كما وأن الرد الروسي حتى الآن لا يزال ضمن الحدود المقبولة دوليا، فهل سيتصاعد الموقف الروسي تدرجيا وصولا إلى مواجهة علنية دبلوماسية يستعمل فيها الروس كل مقدراتهم وطاقاتهم وخاصة أن الأمريكان هم اليوم بحاجة للموقف والدور الروسي في العديد من القضايا الدولية من أبرزها :
ـ الاستمرار بدعم الحلف الأمريكي الدولي المسمى “الحلف ضد الإرهاب”؛
ـ فتح المجال الجوي للإمداد العسكري إلى أفغانستان من خلال استعمال المدار الجوي الروسي؛
ـ عدم استعمال “الفيتو” الروسي لتمرير أي مشروع ضغط أو محاسبة تفرض على إيران مستقبلا عبر الأمم المتحدة .
وكذلك المطلوب من روسيا :
ـ المساعدة بالضغط على اليهود الروس الذين يشكلون نسبة كبيرة في المعادلة السياسية الداخلية الإسرائيلية والتي تملك روسيا معهم علاقة جيدة؛
ـ الضغط على حركة حماس التي توجد أيضا لروسيا قنوات اتصال معها لاستكمال المفاوضات العربية الإسرائيلية؛
ـ الحاجة الماسة “للاحتياطات المالية” أو رأس المال الروسي الرسمي المكدس في البنوك الأمريكية الموضوعة منذ طفرت النفط والغاز لاستخدامهم في استكمال حربها ضد العراق وأفغانستان، لاسيما بعد الأزمة المالية العالمية الحالية والعجز العام العالمي، والتي لا تزال تتمتع به الخزينة الرسمية. لكن روسيا تريد مقابل ذلك الثمن من إدارة أوباما؟ …
بالطبع فإن سنة 2012 ستكون سنة الحسم على المسرح السياسي الدولي، لأنها سنة الاستحقاقات الرئاسية وخصوصا في روسيا التي يحاول بوتين الاستمرار في اتباع سياسية ثابتة رسمت لروسيا لتكون فترة الرئيس القادم بمثابة استكمال للمشاريع السياسية الدولية التي وضع أساسها الرئيس بوتين منذ استلامه السلطة عام 1999. كما وإن إدارة الرئيس أوباما أمام استحقاقات كبرى تبدأ من العراق مرورا بالملف النووي الإيراني، القضية الفلسطينية، أفغانستان، وباكستان وصولا إلى المواجهة الداخلية بين الديمقراطيين والجمهوريين “والذي نجح حتى اليوم بإقرار النظام الصحي، لاستخدام هذا المخزون في خوض ولاية ثانية.
من هنا تأتي أهمية اتفاقية ستارت 2 الذي وقعها الروس مع الأمريكان في بداية شهر نسيان من هذا العام في مدينة براغ التشيكية، لتعيد توازن مفقود في ميزان القوى، اختل توازنه عام 1991 بعد توقيع اتفاقية ستارت 1، في فترة انهيار الاتحاد السوفيتي وسيطرت الولايات المتحدة على إدارة العالم .
فالرئيس ميدفيديف الذي وقع الاتفاق سجل نصرا لروسيا بإعادتها لاعبًا قويًا على الساحة الدولية والتفاهم معها على ملفات عديدة وخاصة التي تخص منها الحديقة الروسية، فروسيا الذي استطاعت تسجيل بند في شروط المعاهدة والذي يحق لها الخروج من المعاهدة ساعة ترى إن هناك إخلال بتنفيذ شروط المعاهدة، ورمت الكرة مجددا في الحقل الأميركي على مدى قدرته في تنفيذ شروط المعاهدة بظل الضغط التي تتحمله الولايات المتحدة الأمريكية، لذا نرى سياسة إدخال العالم في حرب باردة جديدة مرهونا بالدرجة الأولى بسياسة أمريكا نفسها في صدقيتها بالتعاطي مع روسيا والتعاون مع العالم كله لحل ملفات الأزمات والمشاكل الدولية والعالمية. وما هو الثمن المفترض أن تقدمه إدارة أوباما إلى صقور الكرملين القابعين في الساحة الحمراء في موسكو، في العام القادم بظل أزمة ملفات مهمة مطروحة للنقاش والتفاهم “ملف إيران النووي، الملف السوري، نشر الدرع الصاروخية في أوروبا وتركيا وكرواتيا وجورجيا”، الدخول إلى منظمة التجارة العالمية الخ.
فاليوم بتنا أمام حالة جديدة في تطور المواقف الروسية التي أضحت أساسية في خطاب الساسة الروس الجدد الذين يصرون على عدم التلاعب بمصالح روسيا السياسية والاقتصادية الدولية لأنها خط احمر بالنسبة لهم، وهذا الطرح الذي يبني عليه برنامج الرئيس بوتين العائد إلى الرئاسة مجددا من خلال برنامج انتخابي كامل يضع في أولوياته بناء قوة أوراسيا الجديدة “الاقتصادية والسياسية” ولعب دور قوي على الخريطة الدولية المحافظة على مصالح وأماكن روسيا الخارجية الاهتمام الجدي بسلاح روسيا وصواريخ .