من المعلوم بأن الثورات العربية، التي بدأت من تونس ومصر واجتاحت الفضاء السياسي في ليبيا وهي مستمرة في سوريا وفي بعض بلدان أخری في المنطقة، لم تكن نخبوية أو إيديولوجية، بل كانت ثمرة فتوحات العولمة، أخذت طابعاً شعبياً غير مسيّس، دون الركوب علی ظهر زعيم أوحد أو قائد ملهم. طابعها هوية مركبة ومتعددة، مفتوحة ومتحركة، صنعتها الأجيال الجديدة، العاطلون والعاملون، الذين يتقنون قراءة المعلومات على الشبكات والتواصل عبر الأوتوسترادات الإعلامية والميادين الافتراضية.
يمكننا اعتبار هذه الثورات، بعد تغلبها علی الأنظمة المستبدة والمنظومات الإيديولوجية، بمثابة فرصة وجودية للخروج من التخلف الحضاري العالمي والمشاركة الإيجابية. فهي وليدة العصر الرقمي والکتب الرقمية الناعمة، لم تخرج من رحم العقائد الدينية أو الإيديولوجيات العلمانية، قد تنقلنا إلى وضع جديد، لا عودة معه إلى الوراء بأيّ حال من الأحوال، لأن كل شيء آخذ في التغيير.
أما الأصوليات الدينية، التي ظهرت بعد إخفاق التجارب القوموية العروبية والاشتراكية، كانت وماتزال ترفع شعارات التحرير والمقاومة والممانعة ومقولات المركزية والفوقية والخصوصيات الثقافية، فشعاراتها تختلف عن الشعارات التي ترفع اليوم من قبل التحركات الشعبية، التي استخدمت أدوات العولمة وسيلة للتركيز علی قيم الحرية والعدالة والكرامة والديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان والتي خلعت الأيديولوجيات المقدسة وکسرت عقلية النخبة لتنتقل إلي مجتمع تداولي فاعل وتخلت إلي حد ما عن منطق العنف لصالح وسائل سلمية مدنية. ما يريده الأصولي الديني، إذا أمكنه الحكم، هو إخضاع الآخر، للقيام بإنشاء دولته الثيوقراطية بمنطقه الأصولي وفرض سلطته الدينية تحت عمامة المرشد الذي هو خليفة الله ونائبه وظله على الأرض، إذ لا وجود للمواطن الحر العابر لحدود الطوائف والمذاهب والأحزاب، المتساوي أمام القوانين والأنظمة الوضعية.
لا يزال الأصولي الديني، بعد كل هذه التغييرات الكونية، مع الدولة الشمولية التي تهيمن على المقدّرات وتحصي الأنفاس وتخضع البشر بالقوة العارية، من أجل تطويعهم وتسخيرهم لدعوات مستحيلة أو عقائد مدمّرة تحوّل الوعود بالفردوس أعراساً للدم. وهو بذلك يريد تشكيل الوجه الآخر للدولة العلمانية الشمولية، كما تم تجربتها في أواسط ونهاية النصف الأول من القرن الماضي بنماذجها الستالينية والفاشية والماوية أو نسخها الكاريكاتورية في دول العالم الثالث.
بمعنی آخر، الأصوليات الدينية هدفها التقويض أو تخريب العمران، لأنها لا تقدر على إصلاح أو تحسين بناء.
أما الإرهاب فإنه يبدأ من الفكر، وعندما يغيب العقل ينمو الإرهاب ويتكاثر وإن الجزء الأكبر من ثقافة الإرهاب تأتي من الكتيبات التي توزعها جهات دينية رسمية أو غير رسمية على التجمعات الدينية، وفي مواسم دينية سنوية كبيرة على المسلمين، محتواها تعتبر التعددية الحزبية كفر وإلحاد، وتری في الأحزاب السياسية مجرد مكونات جاهلية، باعتبار الانتماء لهذه الأحزاب كفر وردة عن دين الإسلام، وأن هذه الأحزاب تفرَّق المسلمين وتدعم الرأسمالية والبنوك الرّبوية.
إن علّة كل شيء تكمن في مفهومه بالدرجة الأولی، من هنا نری الحاجة إلي مساءلة مفهوم الإنسان لتفكيكه وإعادة بناءه. وعلاج الإرهاب يبدأ من معرفة الإنسان لنفسه معرفة حقيقية تضعها في مكانها الصحيح، بحيث يرى الإنسان نفسه من خلال الآخر وبه أيضا لا من خلال نفسه ويخرج على قوقعته التراثية، لكي يفهم المجريات على الساحة الكونية ويسهم في المناقشة العالمية الدائرة حول المعضلات ويفتح أفاق الحوار، ويتجنب سياسة الإقصاء ويجتهد في سبيل القبول بالرأي والرأي الآخر.
العالم تغير من قرية كونية إلی مجلس كوني، فبعد الانعطافة اللغوية والطفرات المعرفية والثورات المنهجية في غير فرع، لم يعد مجدياً أن نفكر بنفس الوجهة والطريقة. ما يمکن لنا عمله، هو کشف وتعرية منابع الإرهاب في تعاليمنا وتعليمنا ومشاريعنا ومدارسنا وإذاعاتنا وشاشاتنا التي تحفر أسس الإرهاب في اللاوعي وتشيد صروحه في مباني الفكر والعقيدة، بقدر ما تكمن في کثير من النصوص والنماذج والصور المحرمات والفرائض التي تصنع حياتنا، لإنتاج المآزق والكوارث.
في هذه الأيام التي يشتد فيها الصراع من كل صوب نری أنفسنا أحوج إلى التعقل والرشد والبدء بالحوار مع الآخر المختلف، ولكن كيف ينضج الحوار مع الآخر في حين لم ينضج بعد الحوار مع الذات؟ أم كيف ينضج حوار لم يعرف فيه المتحاورون آداب الاستماع؟ أم كيف ينضج حوار نهتم فيه بإبراز نقاط الاختلاف عن نقاط الاتفاق؟
ما نحتاجه، هو كسر وحدانية الذات علی نحو يفتح الإمكان لقبول الواحد الآخر، بوصفه مختلف عنه بالهوية، ولكنه مساو له في الحقوق والكرامة والهوية ومن الضروري التمرّس بالتقی الفكري، الذي يجعل الواحد يقتنع بأنه أقل معنی وشأناً مما يدعي وفي ما يدعو إليه، والتعامل مع المعالجات کتسويات، لا كحلول نهائية أو قصوى والعمل علی تقوية الوعي النقدي في مواجهة الذات قبل الغير، لصوغ أطر وقواعد جديدة تتيح العيش المشترك علی نحو سوي، سلمي، تبادلي.
وختاماّ: “مآل كلّ حدٍّ أقصى: أن ينتج ضدّه.”
ــــــــــــ




