شكل الأزمة القائمة، وحال العملية السياسية، استقرّا (بالمفهوم الفيزيائي للاستقرار) على نوع من التوازن القلق، الهش، الملغوم، الذي سيستمر، أغلب الظن، على هذا الحال، الى اثنين وعشرين شهرا مقبلة تفصلنا عن السباق الانتحابي لعام 2014 ويعتقد أن حسابات القوى التي تقبض على معادلة الصراع انتهت إلى الامتناع عن “تفجير” ذلك التوازن وتدميره، لأن البدائل مخيفة وكارثية للجميع من غير استثناء، كما انتهت الى عزم غير معلن (بواسطة عض الأصابع ومعارك الكر والفر) على منع الخصم – الشريك من ان يكسب، أو يحسّن نفوذه وموقعه، في خلال الفترة التي تسبق الانتخابات، أخذاً بالاعتبار بأنه ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.
في هذا المشهد، يبدو أن فكرة التنازلات المتقابلة بين فرقاء الأزمة السياسية أصبحت تمنيات للشارع أو الخائفين على مصائر العملية السياسية، أو أمست شعارا لا رافعات مادية أو اعتبارية له على أرض الواقع، فإن ثمة مشكلة إجرائية، اعتراضية، طرحت نفسها على بساط البحث عمن يبدأ بالتنازل أولا قبل غيره، أو من هو على استعداد حقا للتنازل، أو عن حدود هذا التنازل في مساحة النفوذ والامتيازات وقياساته، وبموازات ذلك، ظهرت مشكلة أخرى على هيئة سؤال تفصيلي: ما الذي يسبق الآخر، التنازلات أم أجواء الثقة؟ وهكذا، فإن مفتاح حل الأزمة لبناء حكم الشراكة الوطيد أبعد عن متناول اليد والرصد، والمطروح الآن، كما يبدو مفاتيح للتهدئة.
وبحسب قراءات ميدانية لتناسب القوى وتشابكها وضغوط الشارع وحِراك الكواليس، وترشيحات الحظوظ، ورسائل (وإملاءات..) من وراء الحدود، فإنه كلما اقترب موعد الانتخابات التشريعية ستتخذ التحالفات، والصفقات، والخصومات والاستقطابات السياسية والاجتماعية والطائفية والقومية مسارات أكثر فرزا ودراماتيكية واختلافا، وربما مفاجأة أيضا، ويمكن القول بأن الكثير من “التشكيلات” والتعهدات والمواثيق والزعامات ستأخذ طريقها إلى خارج المشهد، وإن استعراض القوة سيبقى سيّد الاحكام، وأكثرها حضورا، محسوبا فيها ما تتطلبه القوة من مال وإعلام وتشكيلات مسلحة وشبه مسلحة، ومن مهارة في اللعب بالشعارات والوعود، وطبعا، من أساليب في الوصول إلى القوى التصويتية واستدراجها إلى صناديق الاقتراع.
بكلمة موجزة، يبدو أن أصحاب الأزمة السياسية يحبذون تهدئة تقوم على تجميد الملفات.. تهدئة تدس مشروع الحل تحت بساط التأجيل بانتظار الكلمة الحاسمة لنتائج الانتخابات المقبلة، أو بانتظار مغامرة كارثية.. من يدري؟.