لو عدنا بالذاكرة إلى الخلف، وبالذات إلى أيام الانقلابات والتغيير الثوري العسكري لبلدان المنطقة أواسط القرن العشرين، وتوقفنا بجدية أمام مواقف الدول في حينه وبالذات ما تلمسناه من الاتحاد السوفيتي والدول الغربية في تلك المرحلة التي اتسمت بقمة الصراع أثناء الحرب الباردة التي سيطرت طوال العقود. وإن تمعنا لنركز بشكل كبير في تعامل كل طرف مع الانتقالات التي حصلت بشكل سريع ونقارنه مع ما يحصل اليوم، سيتوضح لدينا حجم الاخطاء التي ترتكبها الجهات التي لا تساند الشعوب الثائرة في تحقيق أهدافها لأسباب ايديولوجية سياسية بحتة، وتحاول إدخال العصا في عجلة التغيير التي لا يمكن توقفها بسهولة وهي سائرة وتزيح أكبر العوائق بقوة، مهما جابهت محاولات التصدي التي تبديه الأطراف القليلة هنا وهناك، إلا أنها ستصل إلى المبتغى في نهاية المطاف على الرغم من اختلاف قصر أو طول الزمن من بلد لآخر، وكما تثبته لنا الثورات الجديدة في هذه المنطقة. إن التغيير الذي حصل في حينه كان جراء الانقلابات العسكرية، لم يستغرق وقتا يذكر وانتهى ببيان رقم واحد ولم يكن نقلة نوعية لكافة نواحي الحياة. إن التحضيرات لما البدائية لما كان يحصل كانت سرية أو محصورة من قبل حلقة ضيقة دون معرفة الشعب بالتفاصيل، إلا أن الاحتقان كان سيد الموقف لظهور ذلك الدعم الشعبي الذي كان حاضرا، والواقع السياسي الثقافي العام لم يدفع في التغيير الشامل المطلوب، أي التغيير في أكثر الأحيان كان يشمل الوجوه فقط إلى حد كبير، أي التغيير من القمة ودون انتقال تدريجي أو تغيير جذري متكامل، وكانت جميع التغييرات بلا استثناء بعيدا عن تخصيب الأرضية المطلوبة لها من قبل فئات الشعب كي تحدث انتقالة فعالة وتغييرا نوعيا في البنى التحتية والفوقية لتلك البلدان.
لم يتمكن الغرب من الوقوف أمام تلك التغييرات التي كانت لا توائمه، رغم محاولاته، أو لم يفسح أمامه مجال أو فرصة ليقف ضد ما هو لغير صالحه إلا بعد حين. كانت الساحة السياسية تشهد مدا فكريا يساريا في أكثر البلدان، و برزت أحزاب يسارية أو ما منها محسوبة على اليسار بادعائها المبادئ والأهداف والشعارات اليسارية على العلن، وهي تساوم عليها في السر وعلى أرض الواقع. إن الغرب رغم عدم استحسانه لما يحصل لم يقف جاهرا ضد تلك التغييرات من خلال الانقلابات والثورات التي حدثت، إلا أنه حاول وتدخل بشكل أو بآخر من أجل تغيير المسار بالطرق العديدة ونجح في العديد منها بعد مدد مختلفة، أي أنه لم يظهر للعلن ما يكنه أمام الشعوب ويتكلم ويأخذ موقفا واضحا ضد إرادة الشعوب على الملأ كما تفعل روسيا و الصين اليوم، وهما تسجلان تاريخا لا يحسدهما عليه أحد. كان بالإمكان أن يتدخلا ويتخذا مواقف صريحة داعمة لأماني الشعوب من جهة، ولم تدعا المصالح الغربية الضيقة تفعل فعلتها وتسيطر على مجريات الأمور كما تدعيان من جهة أخرى بمواقف صحيحة وعقلانية.
لو بادرت كل من روسيا والصين بمشروع وموقف متزن من كل دولة ثائرة وعلى خصوصياتها، وأخيرا في سوريا، وحاولتا سحب البساط من تحت أقدام ما تسميانهم بالمتآمرين والمتدخلين في الشؤون الداخلية للدول، لبقيتا على صلة وعلاقة وثقة بهذه الشعوب وابتعدتا عن الانعزال الذي تشعران به اليوم ويزداد بعد نجاح كل ثورة. الجميع على دراية كافية بما تفرزه هذه الثورات ويطفوا منها الى السطح من يسيطر على زمام الأمور من القوى المختلفة ومن الأفكار والعقائد الجامدة ومنها المعتمدة على المناهج والمبادئ المبتذلة، لأن الأرضية والوسط الذي حدث فيه التغيير لا يمكنه في هذه الحالات أن ينبت في هذه المرحلة إلا مثل هذه التركيبات والتوجهات و الأفكار و منها العقيمة والمتخلفة جدا. لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذه الأيام، هل يمكن تصحيح الخطأ بالخطأ. أبدا، فالمرحلة تتسم بما تفرض وتتطلب انتقالة نوعية واستمرارية في النضال وإرادة وتضحيات شتى. ما تُرى من صحوات الشعوب لا يمكن أن نتوقع لها المراوحة في مكانها أو الثبوت على حال لا يمكن أن تكون هي الملائمة وما تتطلع إليها هذه الشعوب، ولابد من إنجازها. إذن مجاراة ما يجري في هذه المرحلة وإن أمكن الحياد بدل الوقوف ضده خير سلاح، أو إن أمكن الدعم والمساندة والوقوف مع الشعوب الثائرة وهي في قمة هيجانها سيزيد من الثقة ويمكنها أن تستمر في العملية المستديمة أصلا والمطلوب بها الوصول إلى الغاية، لحين تصفية الأمور بشكل نهائي وتصحيح الحسابات والمسارات المنحرفة لحين بيان الأصح الملائم.
ولكن موقف الدولتين روسيا والصين ازداد عليهما وعلى البلدان الثائرة من الأمور تعقيدا، وستختزن الذاكرة هذه وستطيل من وقت اللازم للتغيير الكلي الكامل المطلوب. كان بإمكان هاتين الدولتين ومن باب النظرة الثاقبة العميقة إلى مستقبل هذه المنطقة أن تمسكا العصا من الوسط وتقفا بإيجابية تجاه ما يحدث. وتبتعدا عن الحسابات السياسية الضيقة التي لا تفيدهما بعد التغيير الحتمي في المنطقة بشكل شامل.
يدير الغرب الأمور وما يجري في المنطقة بمنظارين مختلفين وواضحين للعيان، دعم ومساندة الشعوب في العلن والتمسك بمصالحه الخاصة في السر مع الازدواجية في التعامل ولكن بشكل أخف من مواقف روسيا والصين، وللغرب في المنطقة من ينفذ ما يطلب منه ويهدف وهو يعوض عنه اتخاذ مواقف تسيء من سمعته، على العكس مما تفعله روسيا والصين. وهذا ما لا يمكن أن يقرأه المواطن البسيط بشكل جلي، بينما يحس المواطن ما يتلمسه على العلن بأن الغرب يدعم ثورته مستندا على عاطفته وما يعلنه على الملأ.
لو تيقنت الصين وروسيا بحتمية التغيير للأنظمة الدكتاتورية من حلفائهما مهما فعلتا وقررتا وتبصرتا ما يمكن أن تصل إليه المنطقة بشكل صحيح لما أقدمتا على ما تبديانه من المواقف الصعبة والتي تسيء من سمعتهما، فكان لابد لهما التمعن والتركيز والتشاور أكثر للخروج بفعل ورأي وموقف يفيدهما في المستقبل على المدى البعيد. إنهما تدخلان إلى حلبة الصراع الشرق أوسطي وأنظارهما متوجهة نحو الغرب وبنفس روح الحرب الباردة ولم تباليا بما هو موجود على الساحة الخاصة بالصراع، ولم تدركا لحد الآن مدى قوة وفعل الجمهور وإمكانياته وقدرته في تغيير كفة الميزان أو لم تقدرا ثقل الجهات المتصارعة. إن التغييرات كبيرة وسريعة في المجالات كافة، ولم تدع أي متتبع أن يتريث وينتظر استقرار الحال في هذه المرحلة على ما أوصلتنا إليه الثورات وما تتمتع به المنطقة بشكل عام من المميزات. عدم تمكن ما رفعته التغييرات المفاجئة إلى سدة الحكم من تلبية المتطلبات الأساسية للمرحلة الجديدة يدعنا أن ننتظر ربما الهزات المتتالية والردات الكثيرة كي تجعل الحال مستقرة على وضعية مغايرة، وتكون الحالة طبيعية من كافة الجوانب، ومن ثم تبدأ المسيرة وتحس الشعوب بانتقالية المرحلة والتغيير الحاسم الواجب حصوله بعد حين.
لو نظرت الدولتان روسيا والصين من زاوية ما بعد هذه المرحلة وبمنظار استدلال المرحلة التالية، لتعاملتا مع ما يجري وفق ما تصل إليه الشعوب من الأوضاع السياسية الاجتماعية العامة، ومن حالة التيقن الذي لا لبس فيه لدى كل متعمق في ما يحدث، بأن العقليات المتخلفة إن سيطرت لمدة على زمام الأمور سوف لن تتمكن في هذه البلدان الأصيلة أن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء وأن تستمر، ولا يمكن أن يتوقع أي منا أن لا يصح إلا الصحيح في الوقت المناسب.
لذا، التعامل مع الأحداث استنادا على التحليل والتقييم الصحيح سيولد مواقف صحيحة، وفي هذا الجانب لم تنجح روسيا والصين في تعاملهما مع الثورات في الشرق الأوسط، وهذا ما سيكون له إفرازات سلبية عليهما وعلى الحياة الاجتماعية العامة والإنسانية لشعوب المنطقة، وحقوقهما أيضا، من منظور الصراع العالمي الذي يحتاج لما هو لصالح حياة الانسان وحقوقه وكرامته وليس المصالح الذاتية والسياسة والفكر والعقيدة المجردة فقط.
ــــــــــــــــ




