في تاريخنا الحديث وكما هو الأمر مع ماوجدنا من مدونات ومخطوطات عن ذلك التاريخ القديم، ظلت تقاليد العبودية والاستبداد هي المهيمنة في فرض ما تسطره من حكايات عن مجرى الاحداث (التاريخ يكتبه المنتصرون) والانتصارات غالباً ما كانت على مر القرون إلى جانب الطغم الأكثر عنفاً واستبداداً. وفي هذه المستوطنة القديمة هناك تراث وتقاليد راسخة في هذا المجال، وقد عرف سكانه من مختلف الأجيال حقب ومحطات مؤلمة، ومن أبشع تلك المحطات ما حصل في تلك الجمعة السوداء (8/2/1963) عندما تمكنت زمرة من الأوباش والمغامرين والقتلة المحترفين من تنفيذ أكثر المخططات إجراماً ووحشية بحق سكان هذا البلد. قد يعترض البعض على هشاشة (حياديتنا) في التعامل مع ذلك الحدث التاريخي والذي أطلق عليه أصحابه اسم (عروس الثورات) لكننا لابد من أن ننعش ذاكرتهم، بما صدر عن أبرز زعماء ذلك الانقلاب الأسود في كتاباتهم اللاحقة عن ما ارتكب من جرائم وانتهاكات بحق أشرف ما أنجبت هذه الأرض من شخصيات مدنية وعسكرية وعلمية وثقافية، وعلى سبيل المثال لا الحصر ذلك الكتاب (المنحرفون) الذي أصدره نظام عبد السلام عارف نفسه ضد حلفاءه السابقين (البعث والحرس القومي) بعد انقلابه عليهم، والذي سلط فيه الضوء على جزء يسير من موبقات تلك القطعان وممارساتهم البعيدة عن قيم البشر.
لقد مرت على تلك الأحداث الدموية 49 عاماً، اضطر فيها سكان هذا الوطن للخوض وسط أمواج لا عد لها من المحن والكوارث، تم فيها انتهاك كرامة وحقوق الإنسان بشكل لا مثيل له، وعبر أربعة عقود من حكم (المنحرفون) تم استنزاف طاقات وإمكانات بلد من أجمل البلدان وأكثرها ثراءاً مادياً وروحياً. لقد اجتمعت في تلك المحطة السوداء من تاريخنا الحديث كل مافي موروثاتنا القيمية والرمزية من ممارسات وتقاليد تمجد قهر الآخر وتبيح كل أنواع الانتهاكات الهمجية بحقه. تلك المحطة المظلمة لم تبقى من دون مراجعة جدية وحسب بل نجحت مؤسسات النظام المباد من تزييف وقائعها ومغزاها الفعلي، ساعدها في ذلك المواقف البائسة لمن يفترض بهم التصدي لعمليات التزييف والمسخ الواسعة التي قامت بها مؤسسات ما عرف لاحقاً بـ(جمهورية الخوف). وبسبب من تلك الهشاشة في الوعي والذاكرة الوطنية تمكن قراصنة 8 شباط من العودة مجدداً عام 1968 إلى حيث السلطة والدراهم والقرار، ليهدروا ماتبقى للبلد من فرص تاريخية للنهوض والبناء.
واليوم ورغم مرور ما يقارب الـ 9 سنوات على سقوط ذلك النظام الدموي، مازالت الحالة غامضة ومبهمة، حيث يعيش غير القليل من بنات وأبناء هذا البلد في مايشبه الغيبوبة والهذيان وسط مناخات من الاشتباكات البائسة والثارات الخاوية، تحت قيادة ذات السلالات من أوباش الريف وحثالات المدن، مخلوقات تستمد صلافتها واندفاعها في ممارسة القهر والعنف من تلك المنظومات القيمية الخطرة التي ازدادت فتكاً وبطشاً بفعل انخراط الدوافع الطائفية والإثنية والفئوية الضيقة بشكل سافر في النزاعات.
البعض ممن اعتاد على اجترار الأوهام يحاول أن يختزل تلك المحنة الوطنية المتمثلة بذلك الحدث المشؤوم ويعدها لا تشكل سوى نزاع سياسي وآيديولوجي بين الشيوعيين من جهة والبعثيين والقوميين من جهة اخرى. وقد لا يدرك البعض بأن مثل تلك الآراء لاتعكس سوى ظلال من الخطاب الرسمي الذي عملت مؤسسات النظام المباد على تسويقه وترويجه طيلة أربعة عقود من سلطتها الغاشمة على مقدرات البلد. اليوم وبعد هذا المشوار المرير من التجارب لا يعوزنا شوطاً آخر من التجارب الآيديولوجية، لكننا في ذات الوقت سنخسر أكثر إن توهمنا، من أن وعينا الجديد يتيح لنا شطب كل تلك التجارب والأحداث المفصلية من تاريخنا الحديث تحت غطاء من الأجوبة القشرية الجاهزة عن لا جدوى مثل تلك الاشتباكات والتضحيات الهائلة. في تلك المنعطفات التاريخية تكمن الكثير من المعلومات والمعطيات الحيوية. لقد كلفنا الموقف اللامسؤول منها في العقود المنصرمة على دفع فواتير باهظة ومؤلمة. إن هذه المحطات تدعونا لانتشالها من أراشيف النسيان والتزييف، عبر العمل والبحث العلمي لسبر غور تلك الوقائع بعيداً عن أدران التعصب والكراهية والأحقاد، وهذا ما ينبغي أن تنهض به الجامعات ومراكز البحوث العلمية، كي تقدم للمجتمع تلك الدروس والعبر عن سيرة كفاح جيل من الثوار والأحرار وضع نصب عينيه بناء عراق حر ومزدهر يستند إلى مواهب وكفاءات بناته وأبناءه من مختلف الأقوام والثقافات والأديان من دون تمييز وهذا مايخشى منه سدنة التشرذم، لأن مثل تلك الدراسات ستكشف بجلاء تلك الحقيقة الوطنية والإنسانية للمدافعين عن الجمهورية الأولى، عن مشاريع أحلامهم النبيلة وسيرتهم، هذا الجانب المشرق والذي يحتاجه سكان هذا الوطن القديم من أجل إعادة بناء المعايير الضرورية لترميم وبناء منظومة القيم الروحية والسلوكية، وبالتالي امتلاك ذاكرة وطنية تحصنهم من ولع الانخراط في الفزعات الخائبة.