الجديدة:ـ من المؤكد أن التاريخ السياسي الحديث سوف يتوقف كثيرا عند الثورة التي فجرها الشعب المصري في 25 يناير 2001 ، ليس فقط من أجل استخلاص الدروس السياسية وفهم الطبيعة الإستراتيجية لهذه الثورة ، ولكن أيضا من أجل محاولة فهم تلك الطبيعة الإنسانية الخاصة للثورة والشعب معا ، فذلك الشعب الذي عاني من القهر السياسي والتهميش الاقتصادي والاجتماعي علي مدار ثلاثة عقود كاملة ، توج العقد الأخير من حكم مبارك بتسليم الدولة المصرية إلي مجموعة من رجال الأعمال ، وحول مصر إلي ما يشبه الإمبراطورية الاحتكارية سياسيا واقتصاديا ، ذلك الشعب الذي عاني وواجه سلطة طاغية وقوة قهر بوليسية غير مسبوقة ، هو نفسه الذي قام بثورة سلمية لم يشهد لها التاريخ مثيلا.
وعلى الرغم من أن كل التوقعات كانت تشير قبل اندلاع الثورة في مصر إلى أن كل الطرق تؤدي إلي انفجار عارم لا يبقي ولا يزر ، وفوضي شاملة تحرق في طريقها الأخضر واليابس ، إلا أن الشعب المصر أثبت من خلال الثورة أن الحضارة التي تتجذر بداخله هي شيء حقيقي وملموس وليست مجرد سطور في كتب التاريخ ، أو نقوش فوق جدران المعابد والمسلات الفرعونية ، فالمباني التي تم تدميرها وإحراقها خلال الثورة لم تخرج عن أمرين ، الأول هو
إحراق مبنى الحزب الوطني بما يمثله من رمزية احتكار السلطة السياسية طول ثلاثين عاما ، ولأن الثورة قامت بالأساس ضد الحزب الوطني ورموزه ، وإحراق أقسام الشرطة التي مثلت رمزا للقهر والظلم الذي عاني منه المصريون ، وفيما عدا ذلك فلم تكن هناك عمليات تخريب أو إحراق للمنشآت العامة، أو الاعتداء على ممتلكات الأغنياء.
ورغم أن سلطة مبارك وهي تحاول جاهدة وحتى الرمق الأخير التشبث بموقعها في الحكم، أطلقت ألاف من السجناء والبلطجية، في محاولة لبث الرعب في نفوس المصريين ومنعهم من التظاهر، إضافة إلى انسحاب قوات الأمن من الشوارع والميادين والذي استمر لشهور طويلة بعد الإطاحة بمبارك، إلا أن هذا الفراغ الأمني وانتشار السجناء والبلطجية لم يؤد إلى حالة من الفوضى الشاملة، أو انتشار السلب والنهب في البلاد، وفي هذا الصدد يشير الخبير الأمني اللواء فؤاد علام أن أي دولة في العالم يحدث فيها مثل هذا الفراغ الأمني لا يمكن أن تبقى صامدة لمدة شهر واحد، ويقول إن مدينة لوس انجلوس تم نهب متاجرها بالكامل عام 1987 بعد مواجهات بين الشرطة ومتظاهرين على آثر مقتل شاب أسود علي أيدي قوات الأمن، كما تكرر نفس الأمر العام الماضي في بريطانيا.
إن سطور هذا الملف ليست محاولة لفهم الثورة المصرية وتحليل آثارها على المنطقة والعالم، فهذا أمر سيستغرق أعواما لكي نستطيع أن نستجلي طبيعة ما جرى في مصر ، لكن هذه السطور هي في الحقيقة تحية إجلال وإكبار لهذه الثورة التي أطاحت بواحد من أعتى النظم الديكتاتورية في العالم، إنها إكليل زهور على قبر كل شهيد ضحي بروحه من أجل الوطن .. عاشت مصر وعاشت الثورة ، والمجد والخلود لشهداء الحرية والكرامة.
أولاً أسباب الثورة :
1
ـ الاستبداد: حكم الرئيس المصري محمد حسني مبارك مصر منذ سنة 1981 م. وقد تعرضت حكومته لانتقادات في وسائل الإعلام ومنظمات غير حكومية محلية. «نال بدعمه لإسرائيل دعماً من الغرب، وبالتالي استمرار المساعدات السنوية الضخمة من الولايات المتحدة»واشتهرت حكومته بحملاتها على المتشددين الإسلاميين، ونتيجة لذلك فقد صمتت الولايات المتحدة في ردودها الأولية لانتهاكات حسني مبارك. فقد كان من النادر أن تذكر الصحافة الأمريكية في عناوين أخبارها الرئيسية ما يجري من حالات الاحتجاج الاجتماعي والسياسي في مصر وقد كان لحكم مبارك الأثر الكبير على التدهور الاقتصادي والاجتماعي على المصريين، هذا بالإضافة إلى التراجع الملحوظ في مستوى التعليم وارتفاع معدلات البطالة وانتشار الجرائم في البلاد.
2ـ الفساد والأوضاع الاقتصادية : يشير الدكتور احمد السيد النجار الخبير الاقتصادي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية أن الفساد الاقتصادي في عهد مبارك قد وصل إلي الذروة، ويقول في كتابه الانهيار الاقتصادي في عصر مبارك ” أنه قد يكتب باحث أن موظفا كان يتقاضى عام 1977 راتبا قدره ثمانية وعشرين جنيها، وأصبح يتقاضى هذا العام أكثر من أربعمائة جنيه، وقد يستنتج الباحث بل والقارئ من ذلك أن الرواتب في زيادة مستمرة. لكن أحمد النجار يحدد لك القدرة الشرائية للراتب الأول ( 28 كيلو من اللحم ) ثم الراتب الثاني ( 18 كيلو فقط ) لتكتشف أن الرواتب رغم زيادتها الظاهرية في نقصان فعلي. هذا ما أقصده بأن الأرقام قد تعطيك شتى الاستنتاجات، والأمر رهن بالزاوية التي ينظر بها الباحث للقضية، وبضميره. يعالج الدكتور النجار في ستة فصول السياسات الاقتصادية العامة للدولة، وانهيار الأوضاع الاقتصادية وقدرة الجنية الشرائية والديون، ثم مشكلة البطالة التي ارتفعت نسبتها إلي 30% من قوة العمل، ثم اتفاقية الكويز وتصدير الغاز لإسرائيل، وأخيرا الفساد ، وذروته برنامج الخصخصة . وفي كل ذلك يشعر القارئ – مثقفا أو أديبا أو قارئا عاما – أنه كان في أمس الحاجة لقراءة ذلك الكتاب، لكي لا يظل تائها لا يدري ماذا يجري في مصر. وسأتوقف فقط عند أحد أهم فصول الكتاب وهو مسألة الخصخصة منذ التحول الحاسم للاقتصاد الحر عام 1991،
وإرتباط الخصخصة العضوي بقضايا الفساد. ويشير النجار إلى أن هناك آليات تجعل النظام الاقتصادي نظام فساد بالضرورة، منها نظام الرواتب الذي يدفع للفساد بكل صوره، وسلطات المديرين المطلقة، والاستغلال البشع للنفوذ السياسي في تحقيق أرباح اقتصادية هائلة، وسحق القوانين. ويتوقف عند أهم قضايا الفساد التي تمحورت في قطاع المصارف، ويستشهد ببيانات البنك المركزي المصري التي تفيد أن قيمة الديون المشكوك في تحصيل المصارف لها بلغت تسع وأربعين مليار جنيه !، أما الفوائد غير المحصلة فإنها تزيد عن هذا الرقم ! أما عن الخصخصة فقد كان المستهدف بها في بدايتها بمصر هو الشركات العامة الخاسرة، لكن الدولة في التطبيق العملي لم تطرح للبيع سوى أفضل الشركات العامة الرابحة ! مما حول هذه الخصخصة إلى أكبر عملية نهب تعرضت له مصر في تاريخها الحديث وأكبر إهدار للمال العام ( الظاهرة ذاتها شاعت في روسيا بشكل مرعب عند الانتقال للاقتصاد الرأسمالي )، وحتى عام 2003 تم بيع عدد ضخم من المشروعات الصغيرة والمتوسطة، و 194 شركة قطاع عام، و38 مصنعا تم بيعه أو تأجيره. ويضرب النجار أمثلة عن الفساد الذي رافق والتهم المال العام، فيقول إن شركة الزجاج المسطح التي يملك القطاع العام 70 % من أسهمها، وهي واحدة من الشركات النادرة في الدول النامية، بيعت وهي من الشركات الرابحة بمبلغ 306 مليون جنيه بينما تقدر قيمة الأرض والآلات وغير ذلك بنحو 600 مليون جنيه ؟! وفي أغسطس عام 1994 بيعت الشركة المصرية العامة لتعبئة الزجاجات ( بيبسي كولا المصرية ) بمبلغ مائة وخمسين مليون جنيه، وردا على ذلك أعلن رئيس مجلس إدارة الشركة السابق أن مصنعي المنيا وبورسعيد فقط قدرا بمبلغ 150 مليون جنيه ؟ فكيف تباع ثمانية مصانع بها 18 خط إنتاجي وأسطول من سيارات التوزيع بسعر مصنعين فقط ؟! . هناك أيضا شركة النصر للغلايات المقامة على مساحة 31 فدان على النيل مباشرة ، وعام 1994 تم بيع الأصول الثابتة للشركة والمخزون من السلع بنحو 17 مليون دولار على أن تتحمل الشركة – قبل البيع – بسداد الديون والضرائب، وكانت النتيجة العملية أن شركة ضخمة بيعت بمليوني ونصف مليون جنيه لا لشيء إلا لأن المسئولين عن الخصخصة اختاروا أسوأ العروض، وكانوا دائما يلجؤون لمكاتب خبرة أمريكية تقدر أسعار الشركات لصالح المؤسسات الأمريكية التي ستشتري ! هناك صفقات أخرى كثيرة مثل ” الأهرام للمشروبات “ و ” أسمنت أسيوط ” ، وفندق ” ميرديان ” ، وفي كل ذلك تحالف الفساد داخل إطار برنامج رأسمالي من أجل نهب أموال مصر.
3
ـ انتخابات مجلس الشعب المصري 2010 .. أجريت انتخابات مجلس الشعب قبل شهرين من اندلاع الثورة وحصل الحزب الوطني الحاكم على 97% من مقاعد المجلس، أي أن المجلس خلا من أي معارضة تذكر، مما أصاب المواطنين بالإحباط. وتم وصف تلك الانتخابات بالمزورة نظرًا لأنها تناقض الواقع في الشارع المصري. بالإضافة إلى انتهاك حقوق القضاء المصري في الإشراف على الانتخابات فقد أطاح النظام بأحكام القضاء في عدم شرعية بعض الدوائر الانتخابية. ومُنع الإخوان المسلمون من النجاح في هذه الانتخابات بتزويرها. وإضافة إلى ذلك كان الحزب الوطني الحاكم يحشد أعداد هائلة من البلطجية أمام لجان الانتخابات ويقومون بالاعتداء على أي شخص يُعتقد أنه سيدلى بصوته إلى أي مرشح لا ينتمي إلى الحزب الوطني الديمقراطي.. وكان يتم ذلك بمساعدة قوات الأمن.
4ـ نجاح الثورة التونسية .. اندلعت الثورة الشعبية في تونس في 18 ديسمبر عام 2010 م (أي قبل 38 يومًا من اندلاع ثورة الغضب المصرية) احتجاجًا على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية السيئة وتضامنًا مع محمد البوعزيزي الذي أضرم النار في نفسه, واستطاعت هذه الثورة في أقل من شهر الإطاحة بالرئيس التونسي زين العابدين بن علي (الذي حكم البلاد لمدة 23 سنة بقبضةٍ حديدية). هذا النجاح الذي حققته الثورة الشعبية التونسية أظهر أن قوة الشعب العربي تكمن في تظاهره وخروجه إلى الشارع، وأن الجيش هو قوة مساندة للشعب وليس أداة لدى النظام لقمع الشعب. كما أضاءت تلك الثورة الأمل لدى الشعب العربي بقدرته على تغيير الأنظمة الجاثمة عليه وتحقيق تطلعاته.
ثانيا دور الجيش المصري في نجاح الثورة :
يجمع المؤرخون على أن مصر الحديثة ولدت من رحم الثورة التي أنتجت محمد علي ومشروعه النهضوي في عام 1805، لتنشأ منذ ذلك التاريخ شراكة بين الجيش والشعب؛ حيث تأسس الجيش الوطني المصري على أسس عسكرية عصرية في عام 1820، وتنامت منذ ذلك التاريخ علاقة قوية بين وجود جيش قوي وبين مشروع النهضة الذي نقل مصر من عالم العصور الوسطى إلى العالم الجديد، ونظر المصريون إلى الجيش باعتباره يمثل إطارا جامعا لكل القوى والشرائح الاجتماعية، وباعتباره القوة الأكثر قدرة وتنظيماً وانضباطاً وحداثة بين سائر القوى التي انخرطت في إعادة تشكيل الدولة.
ولم يكن الجيش المصري بعيدا عن الثورات الأربع الأربعة التي عرفها تاريخ مصر الحديث، وهي ثورة عرابي في عام 1881 وثورة 1919 وثورة 1952 وثورة يناير 2011.
ففي كل هذه الثورات باستثناء ثورة 1919 التي لم يتمكن الجيش من المشاركة فيها بقوة بسبب تواجد الأغلبية الكبرى منه في السودان -، كان ثمة ما يشبه الإجماع المصري، جيشاً وشعباً، على رفض النظام القائم والطموح لبناء نظام جديد وطني عادل ورشيد.
وترسخ الدور السياسي للجيش المصري منذ عام 1881، من خلال ثورة “عرابي”، التي شهدت وقوف الجيش المصري مع المطالب الشعبية الإصلاحية من الخديوي إسماعيل، والتي كانت تطالب بمنح مجلس النواب المصري ذات الحقوق التي تتمتع بها المجالس التمثيلية في أوروبا، وذلك في عام 1879، فضلاً عن مطالبة الجيش للخديوي إسماعيل بعدم الاستجابة للضغوط والوصاية الخارجية البريطانية والفرنسية، التي كانت تطالبه بتقليص كبير في تعداد الجيش المصري الذي كان يبلغ وقتذاك مائة ألف جندي.
ومع تصاعد الضغوط الخارجية وتمكن البريطانيين من تنصيب الخديوي توفيق تحت ذريعة ديون مصر الخارجية، وإلزامه بتقليص عدد الجيش المصري إلى حوالي 22 ألف جندي، وتراجعه عن وعود إسماعيل الإصلاحية، وإيقافه العمل بالدستور؛ اضطر الجيش المصري بقيادة الضابط أحمد عرابي إلى التدخل، فيما عرف باسم “حركة عرابي”، لكن الغزو البريطاني لمصر أفشل حركة عرابي ورفاقه الوطنية ومطالبهم الإصلاحية، لينتهي الأمر بالاحتلال البريطاني لمصر في عام 1882.
وبعد عقود من الاحتلال البريطاني لمصر، عاد دور الجيش مرة جديدة في عام 1952؛ حيث استطاعت حركة الضباط الأحرار القيام بفعل ثوري أطاح بحكم الملك فاروق، وأمسك العسكريون بزمام السلطة، وأضفى التأييد الشعبي الجارف لهذه الحركة عليها طابع الثورة المتكاملة، أي أن الجيش هو من قام فعلياً بالعمل الثوري لتلتف حوله جماهير الشعب المصري، وليسارع الرئيس عبد الناصر بتأسيس قواعد شعبية تناصر سياساته في الداخل.
منذ هذا الوقت مرت علاقة الجيش المصري بالسياسة بعدة مراحل، فقد حكم الجيش البلاد بشكل منفرد لقليل من الوقت حتى تم حل مجلس قيادة الثورة في عام 1954، ثم تكونت في المرحلة التالية شراكة بين الجيش والعسكريين اللذان تحولا إلى قادة سياسيين إثر انخراط أغلب أعضاء مجلس الثورة في الحياة المدنية؛ حيث تكونت في مجريات تطور الأحداث بعد الثورة نخبة حكم من العسكريين الطامحين تحالفوا مع الأيديولوجيين والبيروقراطية الصاعدة مع موجة التعليم والتصنيع الكبرى في هذا الوقت، لكن تحولت هذه الشراكة إلى صراع بين الرئيس عبد الناصر والمشير عبد الحكيم عامر؛ وهو ما كان أحد أسباب هزيمة 1967.
وأدت هزيمة يونيو 1967 إلى مراجعة القيادة السياسية، ممثلة بالرئيس جمال عبد الناصر، في أسس تداخل العلاقات المدنية ـ العسكرية في مصر، وتمكن عبدا لناصر في الأعوام الثلاثة الأخيرة من حكمه أن يسحب الدور السياسي للجيش كي يتفرغ لأداء مهمة الدفاع عن الوطن، واستقرت بمرور الوقت صيغة جديدة قبل فيها الجيش الخضوع طوعاً للقيادة المدنية ذات الخلفية العسكرية أصلاً، وهو الأمر الذي سهل لكل من عبد الناصر والسادات ومبارك كثيراً من عملية الانتقال السلس والتدريجي إلى هذه الصيغة الجديدة.
ونجحت هذه الصيغة الجديدة في إبعاد الجيش عن التدخل المباشر في شئون الحكم، مع وجود دور بارز له في الحياة المدنية لأن التشابك بين ما هو مدني وعسكري كان أمراً إجبارياً خلال الفترة من 1967 وحتى نصر أكتوبر 1973، إذ كانت الدولة تعيش اقتصاد الحرب، ثم أصبح هذا التداخل إجبارياً أيضاً في مرحلة ما بعد الحرب وتوقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل، لأن الجيش بخبراته التنظيمية وانضباطه وقدراته كان لابد وأن يشارك في عملية إعادة البناء بعد ثلاثة عقود من الحرب مع إسرائيل.
ويلاحظ هنا أن الجيش لم يكن يتدخل في اختيار الرؤساء على سبيل المثال، إذ انتقلت السلطة بشكل سلس من الرئيس عبد الناصر إلى نائبه أنور السادات ومنه إلى نائبه حسني مبارك.
وأصبح الدور المنوط بالقوات المسلحة وفقاً لدستور 1971 هو الحفاظ على حدود الدولة وحماية البلاد وسلامة أراضيها وأمنها. وتدريجياً، تراجع الجيش إلى خلفية المشهد السياسي، متجنباً التدخل المباشر والصريح في السياسة، لكنه كمؤسسة وطنية كبرى استمر في متابعة وترقب ما قد يحدث من تهديدات للأمن الوطني في ساحة السياسة الداخلية، مقدماً الدعم للسلطات الشرعية حين تحتاجه، مثلما حدث في عامي 1977 و1986، عندما أنقذ الجيش البلاد من فتن هددت السلم الأهلي.
وخلال هذين الحدثين، وتحديداً انتفاضة 18 و19 يناير 1977، استمرت العلاقة المتأصلة بين الجيش والشعب، فلم يدخل الجيش المصري بقيادة وزير الدفاع حينذاك، المشير محمد عبد الغني الجمسي، قائد غرفة عمليات حرب أكتوبر، في صدام مع الشعب، ولم ينزل الجيش للشارع فعلياً إلا بعد بداية هدوء الأزمة بصدور قرار بإلغاء زيادات الأسعار وإلغاء الاتفاق الأول مع صندوق النقد الدولي، وحين نزل الجيش فإنه سيطر على الوضع الأمني دون أن يلحق الأذى بأي مواطن أو يستخدم العنف ضد المتظاهرين.
ويعتبر بعض المراقبين أن انتفاضة 1977 مثلت علامة فارقة في دور الجيش الداخلي، فهو يعد بمثابة الحكم الأخير بين القيادة السياسية والشعب، بحيث إنه لا ينفذ أوامر تلك القيادة إلا بالقدر الذي يحفظ علاقة الجيش بالشعب، ودون أي يطلق رصاصة على أي مواطن مصري.
وبعد حرب أكتوبر 1973 بقي الجيش يتمتع باستقلالية تامة ولم تتغير عقيدته القتالية أو مهنيته وانضباطه الصارم أو حتى إعادة تعريفه للعدو الرئيسي لمصر، على الرغم من انتقال تسليحه من الاتحاد السوفيتي إلى الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث رفض كبار قادة الجيش المصري إجراء تغييرات على عقيدة الجيش القتالية أو إحداث تغييرات جذرية داخل الجيش، كما يشتكي الجيش المصري دائما من عدم تناسب الدعم الأمريكي لكل من مصر وإسرائيل.
إذن أصبحت القوات المسلحة المصرية تحمي السلام في المنطقة وتصون الأمن القومي المصري وتحفظ السيادة الوطنية من جانب، لكنها لا تتهاون في تطوير معداتها وتجهيزاتها العسكرية من جانب آخر. ويبلغ قوام الجيش حالياً حوالي مليون جندي (نصفهم في الخدمة والنصف الآخر احتياطي)، ليعد عاشر أقوى جيش في العالم ومن أكبر جيوش الشرق الأوسط.
وعلى المستوى الداخلي استمر الجيش بلا منازع المؤسسة الأكثر تنظيماً وانضباطاً في مصر؛ حيث أدت المزاوجة الصعبة بين إستراتيجية الجيش التي تجمع بين الحصول على التسليح بأعلى درجاته التكنولوجيا الحديثة وبين تحقيق قدر ما من الاستقلالية المادية، إلى أن تشارك المؤسسة العسكرية في الحياة المدنية وتعمل على بناء المؤسسات الخاصة بها وتنمي قدراتها السياسية. وزادت بالتالي أهمية التصنيع الحربي الذي أصبح بالضرورة تصنيعا مدنيا في فترات عدم إنتاج المعدات العسكرية، وزاد أيضا تواجد عدد من الضباط السابقين في وظائف اقتصادية وسياسية عليا بالدولة، إذ تقلدت بعض القيادات العسكرية مناصب قيادية في الحياة المدنية سواء وزراء أو محافظين.
ويرى البعض أن نظام مبارك قد تعمد تقوية دور قوات الأمن الداخلي ليتجاوز عددها قوات الجيش، وتعمد في الوقت ذاته استمالة الجيش وإشراكه في قطاعات حيوية داخل الدولة، سواء في الوظائف العامة، المدنية والسياسية، أو في القطاع الخاص ذاته؛ وذلك في مسعى منه لضمان استمرارية العلاقات المدنية ـ العسكرية على نحو لا يغفل دور الجيش كليةً بقدر ما يبعده فقط على التدخل المباشر في شؤون الحكم وانتقال السلطة ولا يخلو في ذات الوقت بدور الجيش في حفظ الشرعية الدستورية القائمة.
لكن الجيش الذي أصبح قوياً بعد أن أمن لنفسه درجة عالية من الاستقلالية المادية كان يراقب الأوضاع السياسية في مصر في الآونة الأخيرة، ويترقب لحظة تغيير السلطة، متخيراً كعادته الوقوف إلى الشرعية التي يرتضيها الشعب لا القيادة السياسية.
وظهر جلياً اختيار الجيش الوقوف إلى جوار الشرعية التي يختارها الشعب خلال أحداث ثورة 25 يناير؛ حيث برز دور المؤسسة العسكرية حينما أصدر الرئيس السابق مبارك قرارا يوم 28 يناير، بصفته الحاكم العسكري للبلاد، بنزول قوات الجيش في المدن والمحافظات، لمساعدة قوات الشرطة لاسترداد وحفظ الأمن، وذلك بعد انسحاب قوات الشرطة والأمن من الشارع بشكل مفاجئ عقب مصادمات عنيفة مع المتظاهرين الثائرين.
وكانت العلامة الفارقة هي أن الدبابات التي ملأت الشوارع تجنبت أي صدام مع الشعب الذي هتف للجيش منذ البداية، فكان تلاحماً أسهم بشكل فاعل في سقوط النظام فيما بعد، حتى وإن لم يخطط الجيش لذلك. أثبت الجيش المصري انضباطاً لافتاً لم يعرفه كثير من جيوش المنطقة، فقد انحاز إلى ثورة الشعب كمؤسسة وليس كفريق ثوري واجه فريقاً آخراً مؤيداً لمبارك. واختار الجيش الوقوف إلى جانب مطالب الثوار كما برز في بيان أصدرته القوات المسلحة يوم 31 يناير أكدت فيها على أن “الجيش لم ولن يلجأ لاستخدام القوة ضد الشعب”، معلناً أن “القوات المسلحة على وعي ودراية بالمطالب المشروعة للمواطنين الشرفاء”؛ وهو ما وصفه الثوار والقوى السياسية بالموقف العظيم للجيش المصري الذي وقف مع شعبه باعتباره جزءا منه.
وكان واضحاً أن تولي الجيش لمسؤوليات الحكم هو الملاذ الأخير أمام مطالبة الثوار بتنحي مبارك ونظامه، وعدم وجود قوى سياسية تملأ الفراغ السياسي والأمني في الدولة؛ فكان يوم 10 فبراير الماضي علامة فارقة في مجريات الثورة، حينما اجتمع المجلس الأعلى للقوات المسلحة من دون قائده الرئيس مبارك، معلناً أنه في حالة انعقاد دائم لبحث الموقف واتخاذ الإجراءات والتدابير للحفاظ على الوطن ومكتسبات وطموحات شعب مصر العظيم.
ولم يقدم الجيش نفسه في اليوم التالي، يوم تنحي الرئيس مبارك عن الحكم في 11 فبراير، باعتباره سلطة حاكمة، بل باعتباره ضامنا لعملية انتقال سلمي للسلطة، وذلك وفقاً لما جاء في بيانه الثاني، والذي صدر بعد أن فوض الرئيس مبارك صلاحياته إلى نائبه عمر سليمان.
ومع رفض الثوار نقل صلاحيات الرئيس إلى نائبه، أعلن عمر سليمان في بيان مقتضب أن “الرئيس حسني مبارك قرر التخلي عن منصب رئيس الجمهورية وكلف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شئون البلاد”؛ لتنتقل السلطة فعلياً منذ هذه اللحظة إلى المجلس الأعلى الذي أصدر في نفس الليلة بيانه الثالث، مؤكداً فيه على أن “المجلس ليس بديلا عن الشرعية التي يرتضيها الشعب”.
ثالثا انجازات الثورة وتحديات تواجهها :
لعل أهم الإنجازات التي حققتها الثورة المصرية علي مدار العام الماضي، هي النجاح في الإطاحة بالرئيس الذي حكم البلاد لثلاثة عقود ، وتقديمه هو ورموز نظامه إلي المحاكمة ، وإجراء انتخابات برلمانية شهد العالم بنزاهتها.
أما أهم هذه التحديات وأكثرها إثارة للجدل هو ما يتعلق بعودة الجيش إلي ثكناته بعد إتمام انتخاب رئيس جديد، ومبعث الإثارة أن كثيرا من الأصوات السياسية السائدة إعلاميا والتي تمثل توجها فكريا معينا يميل إلي الفوضوية، ويدفع دائما إلى إثارة الشكوك في موقف القوات المسلحة المصرية، ويتعمد إهانة القادة العسكريين ويحملهم ما يراه سوء إدارة العملية الانتقالية لأنهم لم يستمعوا إلي نصائحهم الخاصة بفرض شخصيات بعينها علي قمة السلطة دون انتخابات أو رضاء من المواطنين أنفسهم, وهؤلاء السائدون إعلاميا يسعون بشتى الطرق إلي إقناع المصريين بان هناك أزمة كبيرة سوف تحدث وان صراعا بين الجيش وجماعة الإخوان المسلمين لامناص منه، وان الجيش يسعي إلي خروج امن زاعمين أن المجلس العسكري اخطأ في حق الثورة والثوار، وانه يعمل على مقايضة هذا الوضع بالحصول على امتيازات وحصانات مقابل تسليم السلطة إلى المدنيين المنتخبين.
مثل هذا المنطق الذي يقوم علي التشكيك والتشويه والإثارة لا يجد أذانا صاغية لدي المواطن البسيط الذي يدرك بدوره انه لولا الجيش وحمايته للثورة منذ اليوم الأول وانحيازه للمطالب الشعبية المشروعة في الحرية والكرامة والعدالة، لكانت الأمور تغيرت كثيرا ضد الثورة والثوار، وكانت مصر غارقة في أزمة عميقة ومواجهات شعبية لا قرار لها.
هذا الإيمان الشعبي الراسخ بدور الجيش في حماية الثورة جنبا إلي تأكيدات المجلس العسكري مرات ومرات بأنه سوف يسلم السلطة في موعدها المقرر نهاية يونيو- حزيران المقبل، وانه لا يسعى إلي امتيازات خاصة، وان البرلمان المنتخب سوف يقوم بدوره كاملا دون نقصان، كل ذلك لا يعطي بارقة أمل في أن عمليات التشكيك والإثارة للتيار المهزوم انتخابيا، لن تؤتِ ثمارها، ولن يحدث الصدام المزعوم بين الأحزاب الفائزة في الانتخابات، وسوف تكتمل العملية السياسية بسلام وأمان، وعندها سيكتشف المشككون كم أخطأوا في حق أنفسهم وفي حق بلدهم وفي حق المؤسسات السيادية ذات الرصيد الوطني العظيم.
ثاني هذه التحديات ما يتعلق بالطريقة التي سيدار بها البرلمان الجديد، خاصة انه لا توجد قوة سياسية بمفردها تستطيع أن تمارس دورا مهيمنا تماما علي مجريات العمل البرلماني, فحزب الحرية والعدالة الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين ورغم كونه القوة الحزبية الأكبر بنسبة45% من جملة نواب البرلمان، لكنه يظل بحاجة إلى التحالفات الانتخابية المحتملة قبل بدء الجلسة الأولى للبرلمان المقرر لها يوم23 يناير الحالي, يعكس حالة حراك ديمقراطي لم تعتدها مصر من قبل، وهو أمر يحسب للثورة ويحسب للعملية الانتخابية الأكثر حرية ونزاهة في تاريخ مصر المعاصر.
والواضح أن مسألة التحالفات والترتيبات الانتخابية من أجل تشكيل وإقرار المناصب القيادية لمجلس الشعب الجديد والتي انتهت بالاتفاق بين ستة أحزاب على اختيارات معينة لرئيس المجلس من الحزب الأكبر أي الحرية والعدالة, والوكيلين من الحزبين التاليين، أي النور السلفي والوفد تعكس بداية توافقية وروحا ايجابية للتعاون بين القوى السياسية، كما يعكس إدراكا بين عقلاء الأمة بان ارث النظام البائد لا يتحمل مواجهته فصيل بذاته مهما كانت شعبيته، وإنما تتطلب روحا تعاونية وتفاهمات كبري تقوم على التنازلات المتبادلة من أجل الوطن ومصالحه العليا، وهو أمر مبشر بأن تشهد الفترة المتبقية من المرحلة الانتقالية خطوات أخرى تدعم معنى العمل من اجل البناء، وليس التآمر بليل من أجل التخريب كما تفعل قوى هامشية لا تملك سوى الصوت العالي والمنطق المغلوط.
التحدي الثالث ما يتعلق باستيعاب القوى الشبابية في المؤسسات المنتخبة وظلال ذلك على الذكرى الأولى للثورة يوم25 يناير الحالي, والمؤكد أن القوى الشبابية التي تؤمن إيمانا جازما بأنها هي التي فجرت الثورة وان آخرين هم الذين استفادوا منها، هي الأكثر شعورا بالاغتراب عن البرلمان الجديد، ومن ثم بتعيين عدد من الرموز الشبابية في مجلس الشعب الجديد، في خطوة لاستيعاب هؤلاء بما يمثلونه من طاقة كبرى للعطاء في إطار المؤسسات المدنية المنتخبة، تبدو فكرة عملية وتسهم في تهدئة القوى الشبابية بشكل عام، وتفتح لهم آفاق المشاركة السياسية الايجابية والتحول من زخم المظاهرات والاعتصامات إلى زخم العمل المؤسسي الجاد.
……………………………..
عن مركز يافا للدراسات والأبحاث
ـــــــــــــــــــــ



