أمضت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون خمس ساعات فقط في العاصمة البلغارية صوفيا، لكنها طرحت العديد من القضايا الهامة، ولم تكن أولى تصريحاتها من المطار الدولي صوفيا مصادفة، حيث هاجمت وانتقدت موقف روسيا والصين اللتان استخدمتا حق النقض الفيتو بشأن إصدار قرار بإدانة النظام السوري المستمرّ في تقتيل شعبه الصغير قبل الكبير. هنا لا بدّ من التنويه إلى أن مواقف وزير الخارجية البلغاري نيكولاي ملادينوف مناصرة للمعارضة السورية، وكان ملادينوف آخر وزير أوروبي يزور العاصمة دمشق، حين كانت الأوضاع تسمح ببعض الحوار والنقاش، لكنه سرعان ما أعلن موقفه الداعم للمعارضة السورية وتمت دعوة السيد برهان غليون إلى صوفيا للمشاركة في منتدى مخصص للربيع العربي. كما نشرت بعض وسائل الإعلام الأجنبية بأن بلغاريا ورومانيا تزودان المعارضة السورية بالسلاح، الشأن الذي لم تنكره أو تؤكده الخارجية البلغارية بصفته خبر صادر عن وسيلة إعلام أجنبية.
مواقف الوزير ملادينوف واضحة وحادّة بشأن المشروع النووي الإيراني، علمًا بأنه شغل منصب وزير الدفاع قبل أن يصبح وزيرًا للخارجية، ودعا في الكثير من المحافل إلى نصب عناصر من الدرع الصاروخية فوق الأراضي البلغارية. في الآونة الأخيرة، بقي الوزير على إصراره بعدم السماح للدبلوماسيين البلغار العملاء للنظام الشيوعي السابق بأن يشغلوا منصب سفراء بلغاريا في الخارج، ما تسبب بجدل كبير بين الأحزاب السياسية المختلفة وعلى رأسها الحزب الاشتراكي المعارض، والذي تمكن من إصدار قرار من المحكمة الدستورية بوقف توجهات الوزير والسماح للمعنيين من الدبلوماسيين بشغل المناصب الإدارية في وزارة الخارجية وشغل مناصب سفراء بلغاريا في الخارج.
هذه المواقف قربت إلى حدّ بعيد المسافة بين بلغاريا والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، التي باتت وفقًا لتصريحات وزير الخارجية البلغاري حليفًا استراتيجيًا للبلاد. ضِف إلى ذلك المشاركة العسكرية البلغارية في أفغانستان، حيث قدمت البلاد ضحية جديدة في شمال أفعانستان قبل أيام.
الوزيرة كلينتون تناولت مع الوزير ملادينوف صاحب الدعوة لحضورها إلى صوفيا، تناولت معه الأزمة الإيرانية وسبل مواجهتها وكذلك آخر الأحداث في سوريا وإمكانيات ممارسة الضغوط الدبلوماسية الممكنة بحق النظام السوري.
الموضوع الدولي الآخر الذي تمت مناقشته مع وزير الاقتصاد والطاقة ترايتشو ترايكوف، هو مشاريع أمن الطاقة ومنها مشروع التنقيب عن الغاز الداكن اللون في البلاد، والذي حصل على امتياز للتنقيب عنه شركة شيفرون التكساسية. لكن اضطرت الحكومة البلغارية للتراجع عن هذا القرار تحت ضغوط المجتمع البلغاري والمؤسسات المدنية، بسبب التخوف من حدوث تلوث بيئي نتيجة للتفجيرات على عمق أربعة كيلومترات والمواد الكيميائية التي من المتوقع أن تلوث المياه الجوفية والمعدنية وما أكثرها في بلغاريا. السيدة كلينتون لم تحصل على تأكيدات لتراجع الحكومة البلغارية عن هذا القرار، وبالطبع بقي شأن إعفاء المواطنين البلغار من تأشيرة دخول الولايات المتحدة الأمريكية معلقًا. حصول بلغاريا على غاز طبيعي يعني بطبيعة الحال الاستغناء عن الغاز الطبيعي الروسي، المزود الأوحد والمحتكر لقطاع الطاقة في بلغاريا، وهذا شأن لا يناسب الكثير من الشركات المنتفعة، وبالطبع مورس الكثير من الضغط الاجتماعي لوقف هذه التوجهات بنجاح حتى اللحظة.
شأن الطاقة الآخر المقلق للطرف الأمريكي، هو مشروع بناء المفاعل النووي الروسي الثاني “بيليني”، وهو روسي من حيث التمويل والتأثيث والاستثمار والتجهيز. ومصيره يشبه إلى حدّ كبير مصير المفاعل الإيراني بوشهر، حيث بدأ التخطيط لبنائه منذ العام 1984، لكنه أوقف بعد الانقلاب الأبيض عام 1989، ولم يتخذ قرار نهائي حتى اللحظة لبنائه حتى اللحظة. شركة “أتوم ستروي إكسبورت” الروسية تبذل المستحيل حاليًا لبناء هذا المشروع، لأن تحقيق ذلك يعني بناء أول مفاعل روسي في القارة الأوروبية، وبادرة واعدة لبناء المزيد من هذه المفاعلات في القارة الأوروبية وفي العديد من دول العالم المتعددة، علمًا بأن روسيا قد حصلت على امتياز لبناء أربعة مفاعلات نووية في تركيا من طراز المفاعل بيليني.
مشروع خط نقل الغاز نابوكو الذي يعتبر ذو أولوية للمنظومة الأوروبية، كان ضمن القضايا التي تمّت مناقشتها، خاصة بعد أن تبين بأن هذا المشروع لم يعد جاذبًا ومجديًا لإطالة مساره وارتفاع كلفته، عدا عن فشل أوروبا بالحصول على ممول لتغذية الخط بشكل دائم، حيث تصل قدرة هذا الخط حوالي 31 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي. كان من المتوقع أن تغذي أذربيجان هذا المشروع بالكامل لكنها تراجعت عن ذلك لأسباب عديدة. بهذا يصبح خط نقل الغاز “دفق الجنوب” أكثر حظًا من نابوكو، لكنه مشروع روسي بامتياز وروسيا دون شك لا توجد لديها صعوبات بتغذية الخط بالغاز الطبيعي إلى ما شاء الله، وهذا ما يقلق أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. وكان لهمزات وصل الطاقة مع تركيا واليونان نصيب في المحادثات مع الطرف البلغاري أيضًا، لأن تنشيطها يعني عمليًا التقليل من اعتماد بلغاريا على الطرف الروسي وكسر احتكارها الذي استمر لعقود طويلة من الزمن.
على صعيد التعاون العسكري، تحدثت الوزيرة كلينتون مع وزير الدفاع البلغاري آنيو أنغيلوف عن إمكانية استقبال ألفي جندي أمريكي، في القاعدة العسكرية البلغارية “نوفو سيلو”، بعد أن بات من المتوقع سحب هذه القوات من القارة الأوروبية. بهذا تصبح بلغاريا منطقة لوجستية قادرة على استقبال الطائرات والقوات العسكرية الأمريكية في طلعاتها المكوكية وهجماتها المحتملة على إيران.
هذه أهم القضايا التي تناولتها الوزيرة كلينتون خلال زيارتها المكوكية إلى بلغاريا، وهي الزيارة الأولى التي تقوم بها إلى البلاد بصفتها وزيرة للخارجية، وكانت قد زارت البلاد قبل سنوات بصفتها السيدة الأولى للولايات المتحدة الأمريكية برفقة زوجها الرئيس السابق بيل كلينتون.
ـــــــــــــــ




