حسن فعل النظام السوري في إرسال سفير له إلى بغداد، على الرغم من إن تلك الخطوة لم تأتي بدافع الحرص على إنجاح التجربة العراقية وامن العراق بقدر ما هي حاجة النظام في دمشق لتلطيف أجواء الحوار مع الولايات المتحدة خاصة.
وكان الاجتماع الأخير لدول الجوار مع العراق في دمشق مسرح مثل فيه نظام دمشق دور البريء من كل ما قدمه ويقدمه من تسهيلات للإرهابيين.
فتجربة السنوات الخمس بعد سقوط النظام الصدامي لم تغير حالة سياسة النظام السوري تجاه العراق ،وإنما على العكس حيث أصبحت دمشق مرتعا لجماعات النظام السابق التي أدارت فعالياتها من هناك للإجهاض على التجربة العراقية بدعم الجماعات الإرهابية ” المقاومة” . ونشاطها يختلف عما كانت تقوم به المعارضة العراقية للنظام البعثي في بغداد من دمشق التي كانت بدون فعل عملي. ويغض نظام دمشق الطرف أو يقدم الدعم المباشر للجماعات الإرهابية التي أنشأت لها قواعد انطلاق من هناك محملة بحقد اعمي ضد الشعب العراقي في سيارة مفخخة وأجساد رخيصة كقنابل متفجرة مزقت أجساد العراقيين ، وسكاكين ذبحت أطفالهم ونسائهم ورجالهم وشردت عوائلهم.
ونتيجة انطلاق الإعمال الإرهابية من الأراضي السورية بشكل منظم وبعد إن غدت (آل بو كمال) إدارة عمليات لها ، جاءت عملية قرية السكرية مستهدفة أكثر النشطاء في تمويل العمليات الإرهابية وتهريب الأسلحة وتجنيد الأشخاص وإرسالهم للعراق عبر الأراضي السورية المدعو أبو غادية ويكنى أحيانا أبو عبد الله ” بدران تركي هيشان المزيدي” . فعلى امتداد سنوات عدة، عمل على طول الحدود السورية على إمداد الشباب العربي القادم من بلاد بعيدة مثل المغرب أو الدول الخليجية بجوازات سفر ومرشدين وأسلحة قبل تسللهم إلى داخل الأراضي العراقية. وتركز نشاط أبي غادية قبل تصفيته في الموصل ومناطق الحدود مع سوريا.وقد غض السوريين الطرف عنه. ومن غرفة عمليات (آل بو كمال) التي أدارها انطلقت خطط الأعمال الإرهابية في بعقوبة والموصل وغيرها من مناطق العراق.
ففي أيار الماضي، قاد أبو غادية 10 إرهابيين إلى داخل الأراضي العراقية وهاجم مركز للشرطة العراقية بمدينة القائم، الذي أسفر عنه استشهاد 12 من رجالها. ومنع حرس الحدود السوريون دورية عراقية من مطاردة المجموعة المهاجمة. وقال الناطق الرسمي للحكومة العراقية :” أن العراق طلب في حينها من السلطات السورية تسليم أفراد هذه المجموعة التي تتخذ من سوريا مقراً لنشاطاتها الإرهابية المعادية للعراق”. وتابع:” أن العراق يسعى دائماً لعلاقات متميزة وطيبة مع الشقيقة سوريا وأن وجود بعض الجماعات المعادية للعراق في سوريا والتي تدعم وتساهم في النشاط الإرهابي ضد العراقيين يعرقل تقدم هذه العلاقات”.
وجاءت الغارة نتيجة توفر معلومات أفادت بأن أبو غادية كان يخطط لشن هجوم جديد داخل العراق. وطبقاً لوثائق سنجار العائدة للقاعدة، فإن قرابة 100 منسق سوري يساهمون في عمليات نقل الإرهابيين الأجانب عبر الأراضي السورية اغلبهم بدافع من إيديولوجية القاعدة. وإحدى الوثائق تشير إلى أن القاعدة في بلاد الرافدين قامت بتعيين أبو غادية المسئول الأول عن الإمدادات اللوجستية داخل سورية. وجاء ذلك القرار من جانب مؤسس الجماعة، المقبور أبو مصعب الزرقاوي، ما يؤكد بان أبو غادية كان من المؤمنين بأيديولوجية التنظيم وانه أحد عناصره النشطين . وبعد قتل الزرقاوي، قاد أبو غادية الكثير من جرائم الإرهاب داخل العراق ضد أبناءه من كل القوميات والطوائف . وكان أبو غادية مرتبطا بالاستخبارات السورية وشخصا مهما لدي النظام السوري إلى درجة كبيرة ، حيث تسربت أخبار بأن دمشق كانت مستعدة لتسلميه مقابل تنازلات في المجال السياسي والحصول على مكاسب مالية.
والهجوم الذي استهدفه سلط الضوء على الشبكات السرية التي تتولى تجنيد الإرهابيين الأجانب، ثم نقلهم عبر الأراضي السورية إلى داخل العراق تحت دراية أجهزة النظام السوري وعناصر جهاز استخباراته.
كان الرئيس الأسد قد أعلن: “أن استقرار العراق مسألة حيوية لاستقرار المنطقة”، هذه الحقيقة التي لم يلتزم بها نظامه في عدم التدخل الفجّ والسافر في شؤون العراق الداخلية. وغدت حدود سوريا ممرّا لآلاف الإرهابيين ومئات الأطنان من الأسلحة والمتفجرات والأحزمة الناسفة التي أودت بحياة عراقيين، مكملا ما قام ويقوم به حليفه النظام الإيراني في دعم الميليشيات والعصابات بالأسلحة والعتاد والمفخخات التي فعلت بالعراق والعراقيين الشيء نفسه الذي فعلته الأسلحة والذخائر والمتفجرات التي مرت هي والإرهابيين عبر الحدود السورية .
دفع النظام السوري بعض من ثمن تسهيلاته للعصابات الإرهابية في تفجير دمشق في نهاية شهر أيلول / سبتمبر الماضي الذي راح ضحيته عدد من المواطنين، ولكن أجهزة النظام الأستخباراتية حققت نصرا في إلقاء القبض بسرعة كبيرة على الخلية التي وقفت خلف ذلك العمل الإرهابي، بينما النظام يعلن دائما عن جهله بكل الأنشطة الإرهابية وعناصرها المنطلقة من الأراضي السورية أو تلك التي تنشط عليها.
إن العالم يعرف جيدا بان جهاز استخبارات النظام في سوريا يحصي أنفاس الناس ولا يغيب عنه أي نشاط مهما كان نوعه، لكنه في الحالة العراقية غير ذلك كما هو الحال مع نشاط أبو غادية الإجرامي. وما يؤكد على معرفة السلطات السورية به وبأنشطته بأنها لم تقم بأي عمل لإيقافه بعد إن جمدت وزارة الخزانة الأميركية في شباط الماضي أصوله في سورية مع ثلاثة آخرين ، سهلوا تدفق أموال وأسلحة وإرهابيين عبرها إلى تنظيم القاعدة في العراق.
وبعد عملية قرية السكرية وتوقيع الاتفاقية الأمنية بين بغداد وواشنطن قد حان الوقت للنظام السوري الذي يغرق في ملفات عديدة ، منها المحكمة الدولية حول اغتيال رفيق الحريري، إخفاء آثار اليورانيوم في منطقة ” الكبر” الذي اكتشفه فريق الوكالة الدولية للطاقة الذرية ، تعثر المفاوضات مع إسرائيل بوساطة تركية التي يحتاجها النظام قبل غيره ، وأخيرا دوره في تسهيل وغض الطرف عن الأنشطة المعادية للعراق الجديد ، السياسية منها والعملياتية ، في أن يختار بين العزلة الدولية وما يترتب نتيجتها كحليفه النظام الإيراني أو أن يكون جزء من المساهمين في استتباب الأمن في المنطقة وفي طليعة ذلك وقف كل أنواع الدعم لأعداء العراق الجديد ونظامه الوطني .


